النوبة :تاريخ و عراقة
بقلم : الأثرى احمد صالح شلبل
النوبة
تمتد النوبة جغرافيا من أسوان شمالا حتى مدينة الدبة بالقرب من الشلال الرابع وأول من أطلق
مصطلح نوبيا هو المؤرخ سترابون عام 24 ق م في كتابه "الجغرافيا ".
أطلق المصريون القدامى علي هذه المنطقة اسم "تا-ستي" أي ارض القوس لان أهالي المنطقة اشتهر عنهم بأنهم رماة مهرة وقسم المصريون المنطقة إلى قسمين , القسم الشمالي "واوات"والذي يقع بين الشلالين الأول والثاني ,والقسم الجنوبي "كوش" والذي يقع جنوب الشلال الثاني وحتى الشلال الرابع , ويمكن تجاوزا أن نسمي القسم الشمالي باسم النوبة المصرية والجنوبي باسم النوبة السودانية ولكن كلا القسمين يجمعهما روابط واحدة .
وأطلق المصريون القدامى اسم عام علي أهالي المنطقة وهو "نحسيو" وربما هم الذين يستقرون علي ضفاف النيل وعاشوا علي ا لزراعة والرعي و أطلقوا علي القبائل المجاورة (قبائل البجة أسلاف البشارية و العبابدة الحاليين ) شرقا اسم "مدجاي" وقد استخدموا الأخيرين في الشرطة .
وترجع أهمية النوبة إلى اعتبارها منطقة مناجم للذهب والنحاس وأيضا منطقة محاجر لاحجار البازلت و الديوريت والجرانيت لذا فقد مثلت هذه المنطقة أهمية اقتصادية مهمة لمصر القديمة , فقد كانت السوق التي يتم فيها التبادل التجاري بين المنتجات المصرية (العسل والزيت والكتان ) والمنتجات الأفريقية (العاج والأبنوس والأفيال وجلود لحيوانات ) ويضاف لذلك أن النوبة تمثل الجدار الجنوبي الحامي لمصر. ولأنني من النوبة المصرية لذا سنهتم بتاريخ و آثار النوبة المصرية والتي حدثت علي أرضها أحداث تاريخية كانت ذات أبعاد هامة.سميت النوبة المصرية باسم واوات ثم نوباتيا في العصر الروماني ثم المريس في العصر الإسلامي , وعاش فيها في بداية التاريخ قبائل بدوية ونصف بدوية سماهم قدماء المصريين قبائل واوات (كانوا يعيشون حول كورسكو) و ارثت (حول توماس ) و سثاو (بين توماس و توشكي ) و ايام (في منطقة بلانة ).
العصر الحجري القديم : عاش في النوبة المصرية قبائل اعتمدت علي صيد الأسماك والحيوانات وتركوا رسوما صخرية علي حواف النهر في عافية و عمدا و وادي السبوع وتوشكي. وفي العصر الحجري القديم الأعلى عثر علي منازل ومقابر في النبطة التي تبعد حوالي 70 كم شمال غرب أبو سمبل وتشير إلى مجتمع نوبي مستقر بل وصلوا إلى إنجاز حضاري غير مسبوق وهو اكتشاف البوصلة والمرصد الفلكي بالإضافة إلى وجود تشكيل لعقائد دينية متطورة .
تقع النبطة علي بعد 170 كم شمال غرب أبو سمبل وهي تمثل اقدم مستعمرة نيوليثية في مصر وقد سكنت منذ إحدى عشرة ألف سنة واستمر الاستقرار بها حتى 4800 ق م . وبدا التنقيب بهذه المستعمرة فريد ويندورف أستاذ علم الأجناس بجامعة تكساس منذ عام 1974 .
كانت النبطة عبارة عن حوض مليء بالماء في عصر الهولوسين (11000 –5500 ق م ) مما جعلها منطقة جذب للبدو الذين كانوا يعيشون بالقرب من هذا الحوض المائي. وقام هؤلاء البدو بتدجين الماشية (خرفان وعنزات ) وصناعة الفخار. وكبرت المستعمرة وقام الأهالي بحفر بئر وبنوا خيامهم بالقرب من البئر , كان الأهالي يصيدون الأرانب البرية والغزلان وجمعوا نباتات الغذاء البرية مثل الذرة البيضاء والشعير. علي الرغم من عدم العثور علي جبانتهم ومقابرهم إلا انه تم العثور علي المساكن التي كانوا يقيمون بها وهي حوالي 18 مسكن مقسمة علي ثلاثة صفوف , كما تم العثور علي مقبرة البقرة (7400 –7300 ق م ) والتي تشير إلى أن أهالي النبطة كانوا يتعبدون للحيوانات, وتقع مقبرة البقرة شمال الدائرة الحجرية التقويمية,والمقبرة عبارة عن حفرة في الارض سقفت بأوراق الشجر ثم غطت بالصخور علي هيئة تل قطره 8 متر وارتفاعه متر واحد .
وعثر علي مباني حجرية تشير إلى تقدم الأهالي فكريا وارتباطهم بالفلك الذي كان مفيدا في تحديد العصر المطير .
تضم هذه المباني :
البوصلة الحجرية : وهي عبارة عن لوحات حجرية محورها شمال- جنوب تغطي مساحة 500 متر طول و 200 متر عرض, وتتكون من خمسة صفوف من أحجار الكوارتزايت ربما كانت تمثل بوصلة للمسافرين عبر الصحراء كي يهتدوا لتحديد اتجاهات السفر, هذه الكتل الحجرية .
2- الدائرة الحجرية التقويمية (7500 – 5500 ق م ) وكانت عبارة عن دائرة من الأحجار تتمحور مع الانقلاب الصيفي منذ 6800 سنة من اجل المساعدة في تحديد وقت هطول المطر. وتقع الدائرة الفلكية شمال البوصلة الحجرية بحوالي 300 متر. ويوجد داخل الدائرة أربعة أزواج من الأحجار وفي مركز الدائرة ستة كتل رتبت في صفين, وقطر الدائرة هو أربعة أمتار من أحجار مستوية والدائرة التقويمية تشبه المبني الفلكي ستونهينج ولكنها اقدم منها بألفي عام .
أبو سمبل هي مدينة صغيرة تقع علي بعد 280 كيلومتر من محافظة أسوان وحوالي أربعين كيلومتر من الحدود المصرية السودانية. أخذت المدينة أهميتها بسبب موقعها علي الضفة الغربية من نهر النيل وبحيرة ناصر. ولذا فان هناك عدد كبيرا وهائلا من السائحين يقصدونها للزيارة. أبو سمبل هو اسم حديث لمدينة قديمة كانت تسمى في العصور القديمة أبشك والذي لا يعرف معناه حتى الآن.وفي هذه المنطقة كان يوجد جبلين مقدسين يفد إليه أهل هذه المنطقة ليتعبدون إلى الإلهين المحليين حتحور وحورس. وهذان الجبلان يضمان المعبدين اللذان أقامهما رمسيس الثاني. وأطلق المصريون القدامى على الجبل الجنوبي (جبل المعبد الكبير) "جبل حورس سيد محا" وعلي الجبل الشمالي الذي يضم المعبد الصغير "جبل حتحور سيدة أبشك" أو "الجبل الطاهر". . ربما كان المصريون يقصدون بان المنطقة التي فيها الجبلين مقسمة إلى قسمين القسم الشمالي يسمونه "أبشك" والقسم الجنوبي يسمونه "محا". ومن الغريب أن هذه المنطقة التي لها الاسم الحديث أبو سمبل ليست لها في الواقع أية علاقة بقرية أبو سمبل التي توجد شرق النيل و إنما هي قرية بلانة.ولان النوبيين الذين يسكنون في هذه المنطقة يطلقون علي جبل المعبد الكبير اسم" أبسمبل"فربما لهذا السبب تطور الاسم الأخير إلى أبو سمبل. وكان يعيش في هذه المنطقة القبائل التي أطلق عليها المصريون القدامى باسم" ايام" والتي سكنت بين توشكي شمالا وبوهن جنوبا (حدود قرية بلانة) , وفي عصر الدولة القديمة كانت بعثات الاستكشاف التي أرسلها المصريون لاكتشاف أفريقيا –قد وصلت إلى هذه المنطقة, حيث يقول أحد المستكشفين –حرخوف-في نصوص مقبرته بأسوان بان الهدف من رحلته هو "وبا وات خاست تن" (كشف طريقا إلى هذه البلاد الصحراوية) وتبدو من خلال حكايته بأنه استغرق سبعة اشهر من أسوان حتى أبو سمبل وفي رحلة ثانية إلى هذه المنطقة وجد أن نزاعا قد دب بين أهالي ايام (أجداد ساكني قرية بلانة ) وبين ساكني الصحراء الغربية , وحاول خرخوف أن يصالح بينهما .
والمعروف انه في القرنين الخامس والسادس الميلاديين تطورت في هذه المنطقة ثقافة جديدة أطلق عليها علميا اسم "ثقافة بلانة"وكانت عاصمتها في شرق النيل في "جبل عدا" وقد كشف مخلفات هذه الثقافة في بلانة وقسطل مثل مقابرها وأكواخها السكنية أما اغلب آثارها فهي معروضة في متحف النوبة بأسوان. قبل عام 1960 لم يكن بمدينة أبو سمبل سوي رجال الآثار الذين يعملون بالمعبدين والصيادين الذين يعملون ببحيرة ناصر ولكن مشروع إنقاذ المعبدين عام1964 هو الذي فتح أبوب المدينة لكل الباحثين عن الرزق. شجعت الحكومة المصرية النوبيين إلى العودة لتعمير أراضيهم مرة ثانية في السبعينيات , وأقامت أكبر مشروع زراعي في مصر وهو مشروع "تعمير جنوب الوادي في توشكي" التي لا تبعد سوي 45 كيلو مترا من أبو سمبل. قيمة المدينة الأثرية تكمن في ثلاث مواقع , الأول و الأهم هو معبدي أبو سمبل الذي أقامهما رمسيس الثاني من أجله وأجل زوجته الحبيبة نفرتاري وهما موضوع هذا الكتاب الصغير وثاني المواقع هو "النبطة" التي تبعد 170 كيلو مترا عن أبو سمبل ( أثريا تتبع تفتيش أثار أبو سمبل), وفيه تم الكشف عن مساكن ومقابر تؤرخ فيما بين العصر الحجري القديم الأعلى والعصر الحجري الحديث. أما الموقع الثالث فيبعد 70 كيلومتر من شمال غرب أبو سمبل ويسمى "محاجر خفرع" نسبة إلى الملك خفرع باني الهرم الثاني في الجيزة والذي نحت تماثيله من هذه المحاجر, وقد كشفت بعثة جامعة ليفر بول الإنجليزية في هذه المحاجر عن مساكن عمال المحاجر الذين كانوا يعملون فيها بالإضافة إلى أقدم طريق محاجر في العالم والذي تم كشفه في الكيلو 80 . ومدينة أبو سمبل الحالية قد تأسست ما بين 1963 و1968 وهي الفترة التي نفذ فيها مشروع إنقاذ معبدي أبو سمبل وكانت المدينة تتكون من أربعة أحياء صغيرة أطلق عليها مسميات حديثة. والأحياء الأربعة هي : حي رمسيس الذي يقع للجنوب مباشرة من معبدي أبو سمبل وكان يسكن فيه أعضاء منظمة اليونسكو وكبار المسؤولين المصريين الذين اشرفوا علي مشروع الإنقاذ , وحي منشية النوبة والذي كان يسميه أهل المدينة حي القباب بسبب طراز المساكن التي يعلوها القباب النوبية, وسكن بهذا الحي المهندسون والأثريون المصريون (مثل المهندس المقيم طه الشلتاوي والأثرى المقيم انور شكري). والحي الثالث هو "العاشر من رمضان" أو حي الأجانب كما كان يسمي وسكن به الأجانب الذين عملوا بالمشروع , أما الحي الرابع هو حي 6 أكتوبر والذي كان في الأصل عبارة عن أكواخ العمال المصريين. ومما يؤسف له أن هذه الأحياء قد تغيرت سواء في مسماها أو في معالمها الأصلية .
· العصر الحجري الحديث : بدأ أهل النوبة المصرية صناعة الفخار واعتمدوا في معيشتهم علي تربية الماشية وزراعة بعض الحبوب وتركوا آثارهم في مناطق وادي السبوع و عنيبة و أبو سمبل